المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية الخلوج على حلقات


محمد بن صالح الجارالله
04-02-2008, 02:52 AM
http://7bna.com/up/uploads/f6f6bc5982.gif (http://7bna.com/up)
(1)

كل شيء ينذر بالهلاك..

الصحراء تئن من أديمها المتصدع، والسماء نازفة دماً وصديداً،
والعيون تدور في محاجرها هلعاً ورعباً من الفجيعة، واليباس ينثر
على الوجوه الصدئة غبار المصيبة..

حنت (ريمة) على أخيها (ضاري) تجفف بمنديلها عرقاً
متصبباً من وجهه.. وكان ضاري يئن من الحمى، لم يستطع نقيع
السعتر أن يخفف من وهجها الذي ألهب جسده.

الأنين يتصاعد، والزفرات حرّى، واعتكار الطبع من وله المجاهل
ينتضي ألماً يرمّد العيون.. نعيق الغربان يرفد افتراءات السراب،
ويلطي الآذان عزفاً على متارف النزف ليكون أغنية بحنجرة النشيج،
وصرخة بفم الأنين..

اليدان الناعمتان ترتفعان بارتعاش، والعينان الدعجاوان تحملقان
في أوشاب السماء كمن تملكها الغثيان، والشفتان الراجفتان تتضرعان:

ـ يا رب.. خفّف آلام أخي.. يا رب..

المنديل اكتوى بنار وجهه، والدموع اللزجة تنساب بتثاقل، والفزع
جعلها تصرخ عندما سكن وجهه فجأة، واختفى أنينه..

ـ أخي.. أخي..

فرّقت شعرها، وشقّت جيبها، ودارت كالمجنونة حوله، وألقت وجهها
عليه تشبعه لثماً وتقبيلاً، ما لبثت أن هدأت عندما سمعت خفقات صدره
الخافتة، فرفعت رأسها تناجيه بحرقة:

ـ أخي ضاري.. لا ترحل وتتركني وحيدة..

ضاري.. يا أخي وأبي وأمي.. أنا بحاجة إليك..

تململ ضاري، وتمتمت شفتاه طالباً الماء..

رفعت ريمة رأسه بيسراها، وباليد الأخرى كانت تسقيه الماء،
ودموع الفرح تنهمر دون بكاء..

ـ حمداً لله على سلامتك يا أخي.. ماذا أصابك؟

شرب ضاري قطرات من الماء، ورنا بعينين ناعستين إلى
أخته الذاهلة، وغطّ في نوم عميق..

أصلحت ريمة غطاء أخيها، ولملمت رداءها بهدوء، وراحت
تستطلع الأفق لتستشرف آفاقه.

الشمس دامية مهزومة، وجحافل الظلام تزحف مسرعة..

ـ أين أنت الآن يا أبي؟ كلما احتجت إليك افتقدتك..

أواه لو أن الريح تشاطرني الأسى لكان لخطواتي نحوك
أجنحة الإعصار.. تعال يا أبي، فما أنا الآن إلا فراشة
تحوم على سياج من نار.. أواه يا أبي ما زال بيني وبينك
هوة عميقة دفنت فيها أمي منذ ولادتي.. تعال يا أبي الآن
أرجوك، فإن أموراً أفدح من غاشية الموت، وأقسى مما في
الذاكرة ما زالت تتماوج بالأنين..
الوجوه المغبرة تلطم كل آونة بحصباء اليباس، وهذا فارس
القبيلة يصارع ألماً لا حدود له.. قبل ساعات يا أبي انتزع
ابنك البسمة من شفاه التحدي عندما عزفت سنابك جواده الأدهم
لحن الانتصار.. أما الآن.. بكت ريمة طويلاً،
ورفعت يديها إلى السماء

قائلة:

يا الله ما من غيرك مشافي
تهوّن على ضاري سقامه
أدعيك يا خالقي وأرفع جفافي
تبري الشاكي تجزيه السلامه
وريمة دمعها فوق الجفن صافي
على خيها تنوح نوح الحمامه
والسباع اليوم دثر اللحافي
والعين ما تصيب إلا النشامه
والشاف ضاري خلج الأطرافي
خرّن دموعه بلل لثامه

دارت ريمة حول الخيمة بوهن ما عرفته طوال حياتها،
استوقفها صوت جزاع، رمقته عن بعد، كان يدلق القهوة
المرة من وعاء إلى وعاء، معتمراً كوفية رقشاء خبا لونها،
وتناسلت خيوطها، يروح ويجيء حول النار كأحد عبدتها،
ثم يقف فجأة، ويضع كفيه على رأسه..
هذه عادته عندما يبدأ بالتفكير بأمر ما..
ترى بم يفكر الآن هذا الرجل الطيب الذي يخدم أباها
منذ عشر سنين، وما اشتكى يوماً، ولا تأفف لحظة؟!

ما زالت يدا جزاع فوق رأسه، الأمر الذي أدهش ريمة،
وعندما بدأ يضرب كفاً بكف من فوق رأسه. ذعرت ريمة،
فتمتمت:

ـ أي أمر خطير يجعله يولول؟

اقتربت منه، وتنحنحت بقوة، فارتجف عندما أدرك أن ريمة
كانت تراقبه، ما لبث أن حمل قهوته المرّة وفنجاناً يقطر ماءً،
وهرول نحوها قائلاً:

يا ما حلا الفنجان
بحضور الرفاقهْ
هوّا دوى الولهان
لي ضاقت أخلاقهْ
فايح مثل نيسان
لي كملت الباقهْ
حنا عرب حجلان
نستاهل رياقهْ

ـ اشربي يا عمتي..

ـ جزاع.. ماذا كنت تفعل بنفسك؟

ـ هي عادتي والله عندما أقول شعراً.

ـ بمن كنت تتغزل؟

ـ أنت تعرفين أنني لا أقول شيئاً ولا أتغزل إلا بالقهوة المرة.

ـ اسمعني أيضاً إن كنت صادقاً.

يا ما حلا الفنجان
بارباع النشامهْ

يروي قلب هيمان
عطشان بهيامه

هوّا هوى العربان
وليوم القيامهْ

ريمة بنت حجلان
تستاهل مقامهْ



تابعوا الحلقة الثانية

الواقعـــــــية
04-03-2008, 06:00 PM
في الانتظاااااار ...








:129:






تحياااتي ..



.

العطااا
04-10-2008, 03:58 PM
يعطيك العافيه على القصه...

ننتظر البقيه

تسلم يمينك...ولاهنت..

دمت بعز...لاخلا ولاعدم

عبدالرحمن الحصان
04-11-2008, 01:12 AM
استاذي الكريمة

محمد بن صالح الجارالله

ما احلى القصص حين تداعب الكلمات مخيلتك وتتقمص اداوها وتنثر احسيسك معها

فقد شعرت باني جالس في الرمال امام الخيمة وانظر لها من قريب

ابدعتك من كلماتك ما جعلني مشتاق لمعرفة ما حدث بين ريمة وجزاع

سلمت يداك وحفظك الموالى من كل شر

الواقعـــــــية
04-12-2008, 08:06 PM
ننتظر بقية الحلقااااات .......

الجار الله ..


تحياتي .

ونـــة قلـــب
05-26-2008, 09:22 PM
هلا وغلا

نقل طيب ورائع

الف شكر لك

تحيتي